أعلم أنه يؤذيني، ومع ذلك أفعله. أعرف أنني أريد التغيير، ومع ذلك أعود إلى النقطة نفسها. فلماذا لا يكفي الوعي وحده؟

أحيانًا لا نتمسك بالسلوك لأنه صحيح، ولا لأننا لا نعرف أنه يؤذينا. نتمسك به لأنه يمنحنا شيئًا نحتاج إليه، شيئًا قد لا نعرف كيف نحصل عليه بطريقة أخرى.

قد تكون الكمالية مرهقة بالنسبة إليك، وتعرف جيدًا أن مراجعة عملك للمرة العاشرة لن تجعلك أكثر أمانًا، ومع ذلك تراجعه مرة أخرى. لأنك في تلك اللحظة لا تبحث فقط عن أن يكون العمل جيدًا، بل تبحث عن ذلك الإحساس بالسيطرة، وعن الاطمئنان إلى أنك لم تخطئ.

وقد تعرف أن تأجيل ما عليك سيضاعف ضغطك لاحقًا، ومع ذلك تؤجل. ليس لأنك لا تريد إنجاز المهمة، ولكن لأنك في تلك اللحظة تهرب من القلق الذي تثيره المهمة في داخلك.

وقد تدخل في جدال طويل، وأنت تعرف من البداية أنه لن يغيّر شيئًا، ومع ذلك تستمر. ربما لأن الانتصار في الجدال يمنحك، للحظات، شعورًا بأنك مسموع، أو مهم، أو أن لك قيمة.

وقد تختار الصمت والانسحاب بدلًا من المواجهة، رغم أنك تعرف أن المشكلة لن تختفي؛ لأن المواجهة بالنسبة إليك قد تعني احتمال الرفض، أو خسارة العلاقة، أو مواجهة شيء تخشى رؤيته في نفسك.

وهنا يصبح السؤال مختلفًا

فبدلًا من أن ننشغل بسؤال: لماذا أكرر هذا السلوك وأنا أعرف أنه يؤذيني؟ قد يكون من المفيد أن نتوقف عند سؤال أعمق: ماذا يمنحني هذا السلوك؟ وما الذي أحاول من خلاله أن أشعر به أو أهرب منه؟

لأن السلوك الذي يبدو غير منطقي من الخارج، قد يكون له منطق واضح جدًا من الداخل. إنه يحاول أن يحقق شيئًا.

قد يخفف قلقًا، أو يمنح أمانًا، أو يعطي إحساسًا بالسيطرة، أو يحمينا من مواجهة خوف، أو حتى يمنحنا، للحظات، شعورًا بأننا مهمون ومقبولون.

وهنا نفهم لماذا لا يكون الوعي وحده كافيًا دائمًا

فقد أعرف أن طلب الطمأنة المستمر يزيد قلقي، ومع ذلك أطلبها. وقد أعرف أن التجنب يجعل خوفي أكبر، ومع ذلك أتجنب. وقد أعرف أن التأجيل سيضعني تحت ضغط أكبر، ومع ذلك أؤجل.

لأنني في اللحظة التي أمارس فيها السلوك، أحصل على شيء أريده بشدة: الراحة. حتى ولو كانت راحة مؤقتة.

وهكذا، قد يتحول السلوك الذي يؤذيني إلى ملاذي؛ ليس لأنه يحميني حقًا، بل لأنه يحميني للحظات من شعور لا أعرف كيف أتحمله.

وهنا تبدأ الدائرة

موقف يثيرني | فكرة أو تفسير | شعور مزعج | سلوك | راحة مؤقتة

أقلق، فأطلب الطمأنة، فأرتاح. أخاف من الفشل، فأؤجل، فأرتاح. أخاف من المواجهة، فأتجنب، فأرتاح.

والمشكلة أن العقل يتعلم من النتيجة.

يتعلم أن هذا السلوك نجح في إبعادي عن الشعور المزعج، ولو للحظات، فيصبح احتمال أن أكرره في المرة القادمة أكبر.

وهكذا، شيئًا فشيئًا، لا أعود أمارسه لأنني أراه صحيحًا، بل لأن عقلي تعلّم أنه الطريق الأسرع إلى الراحة.

وهنا المفارقة التي قد لا ننتبه إليها:

ما يريحك الآن قد يكون هو نفسه ما يُبقي المشكلة مستمرة لاحقًا.

لكن فهم وظيفة السلوك لا يعني تبريره. أن أفهم لماذا أكرر سلوكًا يؤذيني، لا يعني أن أعتبره صحيًا أو مقبولًا، بل يعني أنني أصبحت أملك نقطة أبدأ منها تغييره.

فإذا وجدت نفسك تكرر السلوك نفسه، رغم أنك تعرف جيدًا أنه يؤذيك، فلا تبدأ فقط في لوم نفسك والتساؤل عن سبب عدم قدرتك على التوقف. ربما يكون الأهم أن تتوقف قليلًا أمام هذا السلوك، وتتساءل:

ماذا كنت أحاول أن أحصل عليه عندما فعلته؟ وممَّ كنت أحاول أن أهرب؟

قد تكتشف أن تعلقك لم يكن بالسلوك نفسه، بل بالشعور الذي كان يمنحك إياه.

بالأمان، أو بالسيطرة، أو بالقبول، أو بالراحة، أو بمجرد الهروب من شعور لم تكن تعرف كيف تتحمله.

وعندما نفهم الاحتياج الذي يقف خلف السلوك، نستطيع أن نبدأ في البحث عن طريقة أخرى لإشباعه؛ طريقة لا تجعلنا ندفع ثمن راحتنا من وقتنا، وعلاقاتنا، وهدوئنا، وحياتنا.

لو وجدت نفسك تكرر السلوك نفسه، رغم أنك تعرف جيدًا أنه يؤذيك، فلا تلوم نفسك على ضعف الإرادة. توقف عن محاربة السلوك، وافهم ما يجعلك متمسكًا به.