عندما يريد الباحثون دراسة فعالية طريقة علاجية معينة، فإنهم يحتاجون إلى تحديد خطواتها بصورة واضحة ومنظمة، حتى يتمكنوا من مقارنة النتائج وتقييمها.
لكن عندما ننتقل من البحث إلى غرفة العلاج، يصبح أمامنا شيء أكثر تعقيدًا:
إنسان.
إنسان له ذكرياته، وخساراته، ومخاوفه، وأحلامه، وتجارب وجروح لم يعشها أحد بالطريقة نفسها.
وفي كتابه «هبة العلاج النفسي»، يركز إرفين يالوم على أهمية ألا يتحول العلاج إلى تطبيق جامد لنموذج واحد على كل الأشخاص، وأن يظل المعالج منتبهًا إلى الإنسان الفريد الموجود أمامه.
لذلك، فالسؤال مش بس:
ما الخطوة التالية في الخطة العلاجية ؟
لكن أيضًا:
من هو الإنسان الجالس أمامي الآن ؟ وما الذي يحتاجه فعلًا ؟
العلاج النفسي ليس مجرد تقنيات
التقنيات والأساليب العلاجية مهمة، والخطط المنظمة لها قيمتها، لكن العلاج النفسي لا يقوم عليها وحدها.
هناك أيضًا العلاقة العلاجية المبنية على الأمان، والثقة، والصدق، والإنسانية.
علاقة تمنح الإنسان مساحة يتحدث فيها عن ألمه وتجربته، حتى لو أخذ الحديث في بعض اللحظات اتجاهًا مختلفًا عما كان متوقعًا في بداية الجلسة.
لأن لكل إنسان عالمه الداخلي الخاص.
ولكي نفهم هذا العالم، نحتاج أن نصغي إلى لغته وتجربته، بدل ما نفترض مسبقًا إن نفس الطريقة هتناسب الجميع بالشكل نفسه.
ما يساعد شخصًا قد لا يناسب آخر بالطريقة نفسها
وده لا يقلل أبدًا من أهمية المدارس العلاجية أو التقنيات المبنية على المعرفة والدليل.
ممكن نشبهها بقواعد تعلم العزف على البيانو.
لا بد من تعلم القواعد وإتقان الأدوات، لكن العزف مش مجرد تنفيذ ميكانيكي للنوتات.
وكذلك في العلاج النفسي، التقنية أداة مهمة، لكنها تُستخدم داخل علاقة علاجية ومع إنسان له احتياجاته وظروفه الخاصة.
المعالج يحتاج إلى المعرفة والتدريب، لكنه يحتاج أيضًا إلى الإصغاء والمرونة والانتباه لما يحدث أمامه في اللحظة نفسها.
لأن الإنسان مش مجرد مجموعة أعراض نبحث لها عن الخطوة التالية في بروتوكول جاهز.
أن يشعر الإنسان بأنه مرئي ومسموع
من التجارب المهمة داخل العلاج إن يشعر الشخص إن اللي أمامه لا يسمع الكلمات فقط، لكنه يحاول فعلًا أن يفهم تجربته.
أن يشعر بأنه يستطيع الكلام من غير ما يتحول مباشرة إلى تشخيص أو مجموعة أعراض.
وأن تكون هناك مساحة تسمح له باكتشاف نفسه وفهم ما يمر به بصورة أعمق.
وده لا يعني الاستغناء عن الخطة العلاجية، وإنما يعني أن الخطة موجودة لخدمة الإنسان، وليست الإنسان موجودًا لخدمة الخطة.
ولعل من أهم مهارات المعالج أن يدخل كل جلسة بالمعرفة والخبرة اللي عنده، وفي الوقت نفسه يظل مستعدًا لأن يكتشف أمامه إنسانًا له قصة لا تتطابق تمامًا مع قصة أي شخص آخر.
فالشفاء ليس قالبًا واحدًا يناسب الجميع.
لكل إنسان ألمه، ولكل إنسان ظروفه واحتياجاته، وقد يختلف الطريق والوقت والأدوات التي تساعده في رحلته نحو التعافي.