استكمالًا لحديثنا السابق عن معنى الصحة النفسية، ننتقل إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: متى يكون ما نمر به مجرد وقت صعب، ومتى تحتاج صحتنا النفسية إلى مزيد من الاهتمام ؟
ليس كل حزن اكتئابًا، وليس كل قلق اضطرابًا، وليست كل فترة صعبة تعني أننا بحاجة إلى متابعة نفسية. لكن كيف نعرف أن ما نمر به لم يعد مجرد وقت صعب، وأن صحتنا النفسية تحتاج إلى مزيد من الاهتمام ؟
تمرّ بنا الحياة بمراحل مختلفة، ومن الطبيعي أن نتعب أحيانًا، وأن تتغير مشاعرنا تبعًا لما نعيشه. فالحزن والقلق والضغط مشاعر قد نمر بها جميعًا، ووجودها لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي.
لكن هناك فرقًا بين أن نمرّ بوقت صعب، وبين أن نشعر بأن هذا الوقت الصعب بدأ يؤثر في حياتنا وطريقة تعاملنا مع أنفسنا ومن حولنا.
متى نحتاج إلى أن ننتبه أكثر ؟
قد نلاحظ أننا لم نعد نستمتع بالأشياء التي كانت تمنحنا المتعة، أو أصبحنا أكثر انفعالًا وعصبية، أو بدأ نومنا أو شهيتنا يتغيران، أو أصبح التركيز أكثر صعوبة.
وقد نجد أنفسنا نبتعد عن الآخرين ونفضّل العزلة، أو نشعر بأن القلق أو الحزن أصبح يرافقنا لفترة أطول ويؤثر في حياتنا اليومية.
وجود إحدى هذه الإشارات لا يعني أن نشخّص أنفسنا، لكنه قد يكون دعوة لأن نتوقف قليلًا وننتبه إلى ما نمر به.
فأحيانًا تكون النفس مثل الجسد تمامًا؛ عندما نشعر بألم مستمر، لا نتجاهله فقط لأننا نعتقد أننا يجب أن نكون أقوياء. وكذلك صحتنا النفسية تستحق أن ننتبه إليها ونعتني بها.
اسأل نفسك قبل أن تتجاهل ما تشعر به
قد تكون الخطوة الأولى بسيطة جدًا. توقف قليلًا واسأل نفسك:
ماذا يحدث معي ؟
منذ متى أشعر بهذا ؟
إلى أي مدى بدأ يؤثر في حياتي ؟
هل أستطيع التعامل معه بمفردي، أم أنني بحاجة إلى دعم ؟
هذه الأسئلة ليست وسيلة لتشخيص أنفسنا، وإنما فرصة لفهم ما نمر به والانتباه إلى احتياجاتنا بصورة أوضح.
لا تنتظر حتى تصبح المعاناة أكبر
الاهتمام بالصحة النفسية لا يبدأ عندما ننهار، بل يبدأ عندما نتعلم أن نصغي إلى أنفسنا.
فلا نحتاج دائمًا إلى الانتظار حتى تصبح المعاناة كبيرة حتى نطلب المساعدة. عندما تستمر المشاعر الصعبة أو تبدأ بالتأثير في حياتنا اليومية وعلاقاتنا وقدرتنا على القيام بأدوارنا، فقد يكون طلب الدعم خطوة مهمة.
أن تعتني بنفسك في الوقت المناسب هو وعي، وليس ضعفًا.
ومن هنا نواصل رحلة فهم النفس، بأن نتعلم كيف ننتبه إلى ما نشعر به، ونفهم الإشارات التي تستحق منا التوقف والاهتمام.
رحلة لفهم النفس بوعي وهدوء ودون أحكام.