قد نرى المراهق أمامنا، بينما يعيش جزءًا كبيرًا من عالمه خلف الشاشة. فهل نعرف حقًا ماذا يبحث عنه هناك؟
لم تعد التكنولوجيا مجرّد أداة نستخدمها في حياتنا اليومية، بل أصبحت جزءًا من الطريقة التي نتواصل ونتعلّم ونعمل ونطلب فيها المساعدة. وفي مجال الصحة النفسية، ظهر هذا التغيير بوضوح مع انتشار العلاج النفسي عن بُعد.
لكن عندما ننتقل من العيادة إلى الشاشة، لا يتغيّر مكان العلاج فقط، بل تتغيّر أيضًا طريقة اللقاء بين الإنسان والاختصاصي.
العلاج عن بُعد ماذا ربحنا وماذا خسرنا؟
فتح العلاج النفسي عن بُعد أبوابًا لم تكن متاحة بالسهولة نفسها سابقًا؛ فقد أصبح الوصول إلى الاختصاصي ممكنًا رغم المسافة وضيق الوقت وبعض الظروف التي قد تجعل زيارة العيادة صعبة. كما منح بعض الأشخاص شعورًا أكبر بالراحة، لأنهم يتلقون الجلسة من مكان مألوف بالنسبة إليهم.
لكن هذه المرونة جاءت معها تحديات جديدة؛ فالعلاج النفسي لا يعتمد على الكلام فقط. أحيانًا تكون نظرة أو حركة أو لحظة صمت جزءًا أساسيًا من التواصل. وخلف الشاشة، قد تصبح بعض هذه التفاصيل أقل وضوحًا، كما قد تتداخل الجلسة مع البيئة المنزلية وما تحمله من مقاطعات أو صعوبة في تأمين الخصوصية.
لذلك، ربما لا يكون السؤال: هل العلاج عن بُعد أفضل من العلاج الحضوري؟ بل كيف نستخدم التكنولوجيا من دون أن نفقد جوهر العلاقة الإنسانية التي يقوم عليها العلاج النفسي؟
المراهق يعيش على الشاشة لكن هل يجد نفسه فيها؟
إذا كان العلاج النفسي قد انتقل جزئيًا إلى العالم الرقمي، فإن المراهق لم يكن بحاجة إلى الانتقال إليه أصلًا؛ فهو وُلد ونشأ في عالم أصبحت فيه الشاشة جزءًا أساسيًا من يومه.
التواصل، والدراسة، والصداقة، والترفيه، وحتى التعبير عن الذات، كلها أصبحت مرتبطة بشكل أو بآخر بالعالم الرقمي.
وهذا العالم لا يمكن النظر إليه على أنه سلبي بالكامل أو إيجابي بالكامل. فمن جهة، يمكن للتكنولوجيا أن تمنح المراهق مساحة للتعبير والتواصل مع الآخرين والوصول إلى المعلومات والدعم النفسي، وقد تكون بالنسبة إلى بعض المراهقين وسيلة للتخفيف من الشعور بالوحدة أو للعثور على أشخاص يشاركونهم اهتماماتهم وتجاربهم.
ومن جهة أخرى، قد تفتح وسائل التواصل الاجتماعي الباب أمام المقارنة المستمرة، والضغط الاجتماعي، والانشغال بصورة الذات، والخوف من عدم الانتماء أو عدم مواكبة الآخرين.
ولهذا، عندما نتحدث عن علاقة المراهق بالشاشة، لا يكفي أن نسأل: كم ساعة يقضي أمامها؟
الأهم أن نسأل: ماذا يبحث المراهق خلف الشاشة؟ هل يبحث عن التواصل؟ عن القبول؟ عن الهروب؟ عن التعبير عن نفسه؟ أم عن مساحة يشعر فيها بأنه مفهوم؟
فهم هذه الأسئلة قد يكون أكثر أهمية من التركيز على عدد الساعات وحده.
المدرسة حيث يمكن أن نلتقي بالمراهق مبكرًا
المراهق لا يعيش حياته النفسية داخل العيادة فقط، بل يعيش جزءًا كبيرًا منها في المدرسة، وبين أصدقائه وأساتذته وأسرته وبيئته الاجتماعية. ولهذا، يمكن للمدرسة أن تكون مساحة أساسية للوقاية والتدخل المبكر.
وقد يظهر التغيير النفسي عند الطالب قبل أن يستطيع هو نفسه التعبير عنه بالكلمات؛ كتراجع مفاجئ في الأداء، أو تغيّر في السلوك، أو انسحاب من الأصدقاء، أو فقدان الاهتمام، أو صعوبة في التركيز، أو تغيّر في طريقة تفاعله مع الآخرين.
وهنا لا يكون دور الاختصاصي النفسي المدرسي وضع «تسمية» على كل سلوك، بل محاولة فهم ما وراء هذا التغيير، وخلق مساحة آمنة يستطيع فيها الطالب أن يتحدث دون أن يشعر بأنه موضع حكم أو مراقبة.
ومع تطور التكنولوجيا، يمكن أن تصبح المدرسة أيضًا جزءًا من منظومة دعم نفسي أكثر مرونة، من خلال الاستفادة من الأدوات الرقمية عندما تكون مناسبة، مع الحفاظ على الخصوصية والحدود المهنية واحتياجات كل طالب.
ثلاثة عوالم وحاجة واحدة
العلاج عن بُعد، والمراهق في العالم الرقمي، والصحة النفسية في المدرسة قد تبدو للوهلة الأولى ثلاثة موضوعات مختلفة، لكنها في الحقيقة تلتقي عند سؤال واحد:
كيف نصل إلى الإنسان في العالم الذي يعيش فيه، من دون أن نفقد إنسانيتنا ونحن نفعل ذلك؟
التكنولوجيا غيّرت الطريقة التي نتواصل بها، لكنها لم تغيّر حاجتنا إلى أن نُسمَع ونُفهَم ونشعر بالأمان.
وقد يكون التحدي الحقيقي أمامنا اليوم ليس في اختيار التكنولوجيا أو رفضها، بل في تعلّم كيفية استخدامها بوعي، بحيث تكون وسيلة تقرّب الإنسان من الدعم بدل أن تزيد المسافة بينه وبين نفسه والآخرين.
وبالنسبة إلى المراهق تحديدًا، قد لا يكون المطلوب أن نخرجه من العالم الرقمي، فهذا العالم أصبح جزءًا من واقعه.
المطلوب أن نساعده على أن يعيش فيه دون أن يضيع داخله.