أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من يخبره ماذا يفعل، بقدر ما يحتاج إلى شخص يستطيع أن يفهم لماذا أصبح يفعل ذلك. هذه الفكرة رافقتني كثيرًا خلال رحلتي في مجال علم النفس. فخلف كل خوف، وكل نوبة قلق، وكل غضب متكرر، وكل علاقة مؤلمة، قد توجد قصة لم تُروَ بعد، أو احتياج لم يجد طريقه إلى التعبير، أو تجربة تركت أثرًا أعمق مما يبدو على السطح.
ومن هنا بدأت رؤيتي للعمل النفسي تتشكل: لا أريد أن أتعامل مع السلوك وحده، بل أن أفهم الإنسان الذي يقف خلفه.
درست علم النفس في جامعة إسطنبول، وكان الجانب الأكاديمي أساسًا مهمًا في تكوين معرفتي، لكن الخبرة المهنية والاحتكاك المباشر بالناس كانا المدرسة التي علمتني أن الواقع أكثر تعقيدًا من أي كتاب. ففي الممارسة النفسية، لا توجد قصة واحدة تشبه الأخرى تمامًا. قد يجلس أمامك شخص يبدو قويًا وواثقًا، بينما يعيش في داخله خوف عميق من الرفض. وقد تأتي امرأة تشكو من العصبية، ثم نكتشف بعد الحديث أنها أمضت سنوات وهي تحاول أن تكون قوية من أجل الجميع، حتى لم يعد لديها مكان آمن لتكون فيه ضعيفة.
وقد يأتي طفل بسلوك يراه الآخرون "عنادًا" أو "عدوانًا"، بينما يكون السلوك في الحقيقة طريقته الوحيدة للتعبير عن مشاعر لا يستطيع وصفها بالكلمات. وهنا تكمن أهمية علم النفس الحقيقي: أن نتعلم كيف نقرأ ما وراء الظاهر.
الإنسان ليس تشخيصًا
من أكثر الأمور التي أؤمن بها في عملي أن التشخيص، عندما يكون ضروريًا، يجب ألا يتحول إلى هوية. فالإنسان ليس "قلقًا"، ولا "مكتئبًا"، ولا "صعبًا"، ولا "ضعيف الشخصية". هو إنسان يمر بتجربة معينة، وقد يحتاج إلى المساعدة حتى يفهمها ويتعامل معها ويتجاوز آثارها.
لذلك أحرص في تعاملي المهني على أن تكون العلاقة النفسية قائمة على الاستماع والاحترام والأمان، لأنني أؤمن أن الشخص لن يستطيع أن يتحدث بصدق عن ألمه إذا شعر أنه تحت الاختبار أو الحكم. وفي كثير من الأحيان، تكون أول خطوة في التغيير هي أن يجد الإنسان مكانًا يستطيع فيه أن يقول ما لم يستطع قوله في أي مكان آخر.
من العيادة إلى المجتمع
لم أحصر اهتمامي بعلم النفس في الجلسات الفردية، لأنني أؤمن أن الوعي النفسي يجب أن يصل إلى الناس قبل أن تتحول الضغوط إلى أزمات. لهذا اهتممت بتقديم الورشات والأنشطة التوعوية التي تتناول موضوعات من الحياة اليومية، مثل إدارة الضغوط النفسية، والتوازن بين المسؤوليات والحياة الشخصية، وفهم الذات، والعلاقات، والصحة النفسية للمرأة.
أحاول دائمًا أن أقدم علم النفس بلغة يفهمها الإنسان العادي، دون أن أفقده أساسه العلمي. فالمعلومة النفسية لا تكتمل قيمتها عندما تبقى مصطلحًا أكاديميًا، وإنما عندما يستطيع الإنسان أن يرى نفسه فيها، وأن يفهم شيئًا كان غامضًا بالنسبة إليه، وأن يخرج منها بخطوة عملية يستطيع تطبيقها في حياته.
خبرات متعددة، ورؤية واحدة
إلى جانب تخصصي في علم النفس، خضت تجارب مهنية في التعليم والإعلام والترجمة والتواصل مع شرائح مختلفة من المجتمع. وقد تبدو هذه المجالات للوهلة الأولى بعيدة عن بعضها، لكنها بالنسبة لي كانت مترابطة بشكل كبير.
التعليم علمني كيف أشرح المعلومة بطريقة تناسب الشخص الذي أمامي، والإعلام علمني مسؤولية الكلمة وتأثيرها، والعمل بين اللغتين العربية والتركية علمني أن التواصل لا يتعلق بالكلمات فقط، بل بفهم الثقافة والسياق والمشاعر التي تقف خلفها. وهذه الخبرات انعكست على أسلوبي المهني؛ فأنا أؤمن أن الأخصائي النفسي الناجح يحتاج إلى المعرفة، لكنه يحتاج أيضًا إلى القدرة على التواصل، والمرونة، والصبر، وفهم الاختلافات بين الناس.
المرأة بين القوة والإنهاك
من الموضوعات التي اقتربت منها كثيرًا قضايا المرأة النفسية والاجتماعية. لطالما أثارتني تلك الصورة التي تُطلب من المرأة أن تكون فيها قوية طوال الوقت: قوية في بيتها، قوية في عملها، صبورة مع أبنائها، متماسكة أمام الآخرين، وقادرة على تحمل كل شيء دون أن تشتكي.
لكن القوة الحقيقية لا تعني ألا نتعب. وأحيانًا يكون الاعتراف بالتعب بداية للقوة، وطلب المساعدة دليل وعي وليس ضعفًا.
من هنا جاءت رغبتي في تقديم مساحات حوار وورشات تساعد المرأة على فهم ذاتها واحتياجاتها وحدودها، بعيدًا عن الصورة المثالية التي تفرض عليها أن تكون كل شيء للجميع.
ما زلت أتعلم
رغم سنوات الدراسة والخبرة، لا أرى نفسي وصلت إلى نهاية الطريق. علم النفس مجال يتغير باستمرار، والإنسان نفسه لا يمكن اختزاله في قاعدة واحدة. كل حالة جديدة تعلمنا شيئًا، وكل تجربة إنسانية تذكرنا بأن خلف السلوك قصة، وخلف القصة مشاعر، وخلف المشاعر احتياجات قد تحتاج إلى أن تُفهم قبل أن تُعالج.
ولهذا أحرص على تطوير معرفتي ومهاراتي باستمرار، لأنني أؤمن أن المسؤولية المهنية لا تتوقف عند الحصول على الشهادة، بل تبدأ منها.
وفي النهاية
ربما لهذا اخترت علم النفس. لأنني أؤمن أن الإنسان يستحق أن يُفهم قبل أن يُحكم عليه، وأن يُرى قبل أن ينظر إليه نظرة مبهمة.